عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
518
اللباب في علوم الكتاب
حنيف ، وكانت العرب تدين بهذه الأشياء ، ثم كانت تشرك ، فقيل من أجل هذا « حنيفا ، وما كان من المشركين » ونظيره قوله : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 6 ] . فصل في الكلام على هذه الآية اعلم أن اللّه تعالى ذكر هذه الآية على طريق الإلزام لهم وهو قوله : « مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً » وتقديره : إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم حنيفا ؛ لأن هؤلاء المختلفين قد « اتفقوا » على صحّة دين إبراهيم ، والأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه ، فكأنه سبحانه وتعالى قال : إن كان المقول في الدين على الاستدلال والنظر ، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المقول على التقليد ، فالرجوع إلى دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وترك اليهودية والنصرانية أولى . فإن قيل : اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم مقرّين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث امتنع أن يقولوا بذلك ، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد ، ومتى كانوا قائلين بذلك لمن يكن في دعوتهم إليه فائدة ، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أو كانوا مقرين به ، لكنهم أنكروا كونه منكرا للتجسيم والتثليث لم يكن ذلك متفقا عليه ، فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه ، فكان الأخذ به أولى . فالجواب : أنه كان معلوما بالتواتر أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ما أثبت الولد للّه - تعالى - فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . فإن قيل : أليس أن كلّ واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ فالجواب أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون بالتّثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنّ محمدا عليه الصلاة والسلام لما ادعى التوحيد كان على دين إبراهيم . فصل [ اعلم أن قوله تعالى : « وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا » ليس المراد منه التخيير ، إذ من المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوّز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر ، وكذلك أيضا حال النصارى ، وإنما المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية ، والنصارى إلى النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه على الهدى ] « 1 » .
--> ( 1 ) سقط في ب .